القرطبي

283

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) قال قتادة : سأمنعهم فهم كتابي . وقاله سفيان بن عيينة . وقيل : سأصرفهم عن الإيمان بها . وقيل : سأصرفهم عن نفعها ، وذلك مجازاة على تكبرهم . نظيره : " فلما زاغوا أزاغ الله ( 1 ) قلوبهم " . والآيات على هذا المعجزات أو الكتب المنزلة . وقيل : خلق السماوات والأرض . أي أصرفهم عن الاعتبار بها . ( يتكبرون ) يرون أنهم أفضل الخلق . وهذا ظن باطل ، فلهذا قال : ( بغير الحق ) فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم . قوله تعالى : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ) يعني هؤلاء المتكبرون . أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال ، أي الكفر يتخذونه دينا . ثم علل فقال : ( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ) أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم . ( وكانوا عنها غافلين ) أي كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين . ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به ، كما يقال : ما أغفل فلان عما يراد به ، وقرأ مالك بن دينار " وإن يروا " بضم الياء في الحرفين ، أي يفعل ذلك بهم . وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " سبيل الرشد " بضم الراء وإسكان الشين . وأهل الكوفة إلا عاصما " الرشد " بفتح الراء والشين . قال أبو عبيد : فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال : الرشد في الصلاح . والرشد في الدين . قال النحاس : " سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط ، وكذا قال الكسائي . والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد . قال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال : إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكن ، وإذا كان رأس الآية فهو محرك . قال النحاس : يعني برأس الآية نحو " وهئ لنا من أمرنا رشدا ( 2 ) " فهما عنده لغتان بمعنى واحد ، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات . ويقال : رشد يرشد ، ورشد يرشد . وحكى سيبويه رشد يرشد . وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد ، وهو ضد الخيبة " .

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 82 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 358 .